الشيخ محمد هادي معرفة
100
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
والقصر ، والإمالة ، والفتح والتحقيق ، والتسهيل ، والإبدال ، والنقل ، ممّا يعبّر عنه بالأُصول ، فهذا ليس من الاختلاف الذي يتنوّع فيه اللفظ والمعنى ، لأنّ هذه الصفات المتنوّعة في أدائه لاتخرجه عن أن يكون لفظا واحدا . ولئن فرض ، فيكون من الأوّل . « 1 » قلت : إن كان حديث السبعة الأحرف ناظرا إلى تنوّع لغات العرب في التعبير والأداء - كما رجّحناه واختاره المحقّقون السلف - فإنّ ما ذكره أخيرا هي العمدة في اختلاف القراءة . أمّا ما ذكره من الوجوه السبعة فلا يدخل أكثرها في الرخصة المستفادة من الحديث ، ولا أظنّ بمثله أن يرخّصها كما لم يرخّصها سائر العلماء المحقّقين ، فكيف ينزّل الحديث عليها ؟ ! قال الأستاذ الزرقاني : إنَّ هذا العذر الذي قدّمه ابن قتيبة لإهمال هذا الوجه ، لايُسوِّغ ذلك الإهمال . فإنّ المسألة ليست مسألة أسماء وعناوين يترتّب عليها أنّ اختلاف اللهجات في اللفظ الواحد تخرجه عن أن يكون واحدا أو لا تخرجه ، بل المسألة مسألة رعاية أمر واقع تختلف به القراءات فعلًا . وأمر آخر : هو أنّ التيسير على الأُمَّة ، لايتحقّق على الوجه الأكمل إلّا بحسبان هذا الوجه الذي نوّه به الرازي - سنذكره - وهو اختلاف اللهجات . بل هذا قد يكون أولى بالحسبان وأحرى بالرعاية في باب التخفيف والتيسير ، لأنّه قد يسهل على المرء أن ينطق بكلمة من غير لغته في جوهرها ، ولايسهل عليه أن ينطق بكلمة من لغته نفسها بلهجة غير لهجته ، وطريقة الأداء غير طريقته . ذلك ، لأنّ الترقيق والتفخيم ، والهمز والتسهيل ، والإظهار والإدغام ، والفتح والإمالة ، ونحوها أُمور دقيقة ، وكيفيّات مكتنفة بشيء من الغموض والعسر في النطق على من لم يتعوّدها ولم ينشأ عليها .
--> ( 1 ) - النشر ، ج 1 ، ص 26 - 27 ؛ وسنشرح من كلام الرازي ما هو أوفى .